فصل: الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْوَحْيِ الْمُحَمَّدِيِّ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْوَحْيِ الْمُحَمَّدِيِّ:

الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَإِثْبَاتِ رِسَالَتِهِ صلى الله عليه وسلم بِهِ وَفِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ كَالَّتِي قَبْلَهَا بِذِكْرِ هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَإِحْكَامِ آيَاتِهِ ثُمَّ تَفْصِيلِهَا مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، إِعْلَامًا بِأَنَّ إِحْكَامَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَسَاسِ الْحِكْمَةِ، وَتَفْصِيلَهَا مَرْفُوعٌ عَلَى قَوَاعِدِ الْعِلْمِ وَدِقَّةِ الْخِبْرَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} [12] يَعْنِي: أَنَّ حَالَكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ الْمُقْتَرِحِينَ عَلَيْكَ مَا لَيْسَ أَمْرُهُ إِلَيْكَ، حَالُ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ تَرْكُ بَعْضِ مَا يَنْقُلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَحْيِ، وَضِيقِ صَدْرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، فَلَا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا يُوحَى إِلَيْكَ، وَلَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ، إِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ وَظِيفَتُكَ التَّبْلِيغُ وَالْإِنْذَارُ، لَا الْإِتْيَانُ بِالْآيَاتِ، وَلَا الْوَكَالَةُ عَلَيْهِمْ فَتُكْرِهُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
الرَّدُّ فِي الْآيَةِ (13) عَلَى قَوْلِهِمُ: {افْتَرَاهُ} بِتَحَدِّيهِمْ بِالْإِتْيَانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرِيَاتٍ، وَدَعْوَةِ مَنِ اسْتَطَاعُوا مِنْ دُونِ اللهِ لِمُظَاهَرَتِهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِهَا مَعْنَى هَذَا التَّحَدِّي بِالْعَشْرِ الْمُفْتَرَيَاتِ بَعْدَ مَا سَبَقَ فِي سُورَةِ يُونُسَ مِنَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَا لَا تَجِدُ مِثْلَهُ فِي تَفَاسِيرِ الْأَوَّلِينَ وَلَا الْآخِرِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ السُّوَرِ مَا اشْتَمَلَ عَلَى قِصَصِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ فِي إِعْجَازِ هَذِهِ الْقِصَصِ بِالْبَلَاغَةِ وَالْأَسَالِيبِ وَالنُّظُمِ وَالْعِلْمِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا، وَحِكْمَةُ جَعْلِهَا عَشْرًا، وَمَا فِي الْعَشْرِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالْإِصْلَاحِ، فَرَاجِعْهُ (فِي ص 27- 39 مِنْ هَذَا الْجُزْءِ).
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
قَوْلُهُ: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ} 14 وَبَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِهِ مَعْنَى إِنْزَالِهِ بِعِلْمِ اللهِ وَكَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى مَا فَسَّرْنَا الْإِعْجَازَ فِيهَا، وَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ الْمُفَسِّرُونَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
قَوْلُهُ: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} 49 وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَى رِسَالَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَا كَانَ يَعْلَمُهَا هُوَ وَلَا قَوْمُهُ مِنْ قَبْلِ إِنْزَالِهَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ يَعْلَمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَنْ لَامْتَنَعَ إِيمَانُ مَنْ لَمْ يَكُنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وَلَارْتَدَّ مَنْ كَانَ آمَنَ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} [100] الْآيَةَ.
وَفِيهِ الِاسْتِدْلَالُ بِجُمْلَةِ قِصَصِ السُّورَةِ عَلَى كَوْنِهَا وَحْيًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ كَوْنِهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صلى الله عليه وسلم وَثَانِيهُمَا: مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ وَالتَّشْرِيعِيِّ الَّذِي فَصَّلْنَاهُ فِي بَيَانِ التَّحَدِّي بِالْعَشْرِ السُّوَرِ مِنْ عَشْرِ جِهَاتٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [120] الْآيَةَ. وَهِيَ فِي مَوْضُوعِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ فَوَائِدِ قِصَصِ الرُّسُلِ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ فِي فَوَائِدِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي الْأُمَمِ وَإِهْلَاكِ الظَّالِمِينَ، وَإِنْجَاءِ الْمُتَّقِينَ، وَهَذِهِ فِي فَوَائِدِهَا الْخَاصَّةِ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي نَفْسِهِ وَتَأْيِيدِ دَعَوْتِهِ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ.
فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا فِي السُّورَةِ خَاصًّا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ وَحْيًا مِنَ اللهِ تَعَالَى دَالًّا عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَرِسَالَتِهِ، وَقَدْ فَصَّلْنَا مَعْنَى كُلٍّ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ.

.الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ وَقِصَصِ الرُّسُلِ مَعَ أَقْوَامِهِمْ:

وَفِيهِ ثلاثة فَصُولٍ:

.الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

بُدِئَتِ السُّورَةُ بِدَعْوَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى الْآيَةِ (24) وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِأُصُولِ دِينِ اللهِ (الْإِسْلَامِ) عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَهِيَ: التَّوْحِيدُ وَالْبَعْثُ وَالْجَزَاءُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، الْمُبَيَّنَةُ فِي الْآيَةِ (2: 62) وَسَأَذْكُرُهَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ التَّالِي لِهَذَا، وَمُتَضَمِّنَةٌ لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ بِقِسْمَيْهِ: اللُّغَوِيِّ وَالْعِلْمِيِّ، وَقَدْ فَصَّلْنَاهُ بِفَضْلِ اللهِ وَإِلْهَامِهِ بِمَا لَا نَظِيرَ لَهُ فِي سَائِرِ التَّفَاسِيرِ، ثُمَّ خُتِمَتْ بِمِثْلِ مَا تَضَمَّنَتْهُ أَوَائِلُهَا مِنَ الْآيَةِ (100- 123) فَالْتَقَى قُطْرَاهَا وَاحْتَبَكَ طَرَفَاهَا، فَأَحَاطَا بِالْقِصَصِ الَّتِي بَيْنَهُمَا مُؤَيِّدَةً لَهُمَا، وَذُكِرَ فِي أَثْنَائِهَا بُرْهَانٌ عَلَى رِسَالَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ قِصَّةِ نُوحٍ عليه السلام وَهُوَ الْآيَةُ: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ} 49 إِلَخْ. وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَخْصِيصِ هَذَا بِالذِّكْرِ مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ زِيَادَةِ التَّفَضُّلِ وَالتَّأْثِيرِ بِبَلَاغَتِهِ الْمُمْتَازَةِ، وَإِلَّا فَسَائِرُ هَذِهِ الْقِصَصِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ وَدَلَائِلِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ (100) وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، فَيَسْهُلُ عَلَى الْمُتَفَقِّهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يُرَاجِعَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ مَضْمُومَةً إِلَى كَلَامِنَا الْمُفَصَّلِ فِي إِعْجَازِهِ بِقِسْمَيْهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ آنِفًا مِنْ (ص 27- 40 مِنْ هَذَا الْجُزْءِ)- وَأَنْ يَتَأَمَّلَ الْآيَاتِ الْأَرْبَعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ، وَالْآيَاتِ الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ آخِرِهَا، لِيُحِيطَ بِمَا فِي السُّورَةِ مِنْ عُلُومِ رِسَالَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ عِلْمًا إِجْمَالِيًّا.
وَأَمَّا بَيَانُ أَنْوَاعِهَا مُفَصَّلَةً فِي السُّورَةِ فَيَرَاهَا فِي الْفُصُولِ التَّالِيَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَفِي الْأَبْوَابِ الَّتِي بَعْدَهَا وَيَفْقَهُ سِرَّ افْتِتَاحِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [11: 1] وَجَعْلَهُ عُنْوَانًا لَهَا.

.الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْهِدَايَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فِي قَصَصِ السُّورَةِ وَأُصُولِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا جَمِيعُ الرُّسُلِ:

قَدْ بَيَّنَّا فِي الْكَلَامِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنَ الْعِلْمِيِّ الَّذِي فَصَّلَهُ فِي قَصَصِ الرُّسُلِ- عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- وَتَكْرَارِهَا أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ فِيهِ عَلَى عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ كُلِّيَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ، فَرَاجِعْهَا أَيُّهَا الْمُتَدَبِّرُ الْمُتَفَقِّهُ فِي الصَّفْحَةِ 34- 37 مِنْ هَذَا الْجُزْءِ وَتَأَمَّلْهَا إِجْمَالًا، ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْهَا فِي الْفُصُولِ التَّالِيَةِ.
وَأَمَّا أُصُولُ الدِّينِ فَهِيَ الْمُجْمَلَةُ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [2: 62]. (الْأَصْلُ الْأَوَّلُ) الْإِيمَانُ بِاللهِ- تَعَالَى-، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ شَوَاهِدَهُ مِنْ قَصَصِ السُّورَةِ كُلِّهَا.
(الْأَصْلُ الثَّانِي) الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهُوَ الْبَعْثُ وَالْجَزَاءُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ.
(الْأَصْلُ الثَّالِثُ) الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ قِسْمَانِ: مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، وَمَا نَهَى عَنْهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ- عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- بَعْدَ الْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ. وَقَدْ ذُكِرَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ الدَّالِّ عَلَى كُلِّ مَا تَصْلُحُ بِهِ أَنْفُسُ الْبَشَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ.
(الْأَوَّلِ) قَوْلُهُ بَعْدَ بَيَانِ قِسْمَيِ الْيَئُوسِ الْكَفُورِ، وَالْفَرِحِ الْفَخُورِ مِنَ النَّاسِ: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 23. وَفِي مَعْنَاهَا الْإِحْسَانُ فِي قَوْلِهِ: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} 7 وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} 114.
وَأَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي الْمُفَصَّلَةُ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ السُّورَةِ الْمَدَنِيَّةِ، وَنَذْكُرُ مَا هُنَا مِنْ أُصُولِهَا فِي الْبَابِ الْخَامِسِ.

.الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي وَظِيفَةِ الرُّسُلِ الْأَسَاسِيَّةِ وَصِفَاتِهِمْ وَبَيِّنَاتِهِمْ وَفِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عَقِيدَةً:

(الْأُولَى: وَظِيفَةُ الرُّسُلِ الْأَسَاسِيَّةُ) هِيَ مَا بَعَثَهُمُ اللهُ لِأَجْلِهِ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ بِإِنْذَارِ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الْإِيمَانِ وَعَصَى، وَتَبْشِيرِ مَنْ أَجَابَ الدَّعْوَةَ فَآمَنَ وَاهْتَدَى، وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي دَعْوَةِ رَسُولِهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ: {إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} 2 وَقَوْلُهُ لَهُ: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} 12 وَمِثْلُ هَذَا الْحَصْرِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ عليه السلام وَهُوَ أَوَّلُ رُسُلِهِ إِلَى الْأَقْوَامِ الْمُشْرِكَةِ: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} 25 وَقَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ رَسُولِهِ هُودٍ عليه السلام: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} 57.
وَمَوْضُوعُ التَّبْلِيغِ هُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى أَرْكَانِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ الْمُبَيَّنَةِ آنِفًا، وَعَلَيْهَا مَدَارُ سَعَادَةِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُلُّهَا مُبْطِلَةٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَقْوَامُهُمْ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَسَائِطُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ بِجَاهِهِمْ، وَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ مِنْ جَلَبَ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ بِشَفَاعَتِهِمْ لَهُمْ عِنْدَهُ، أَوْ بِتَصَرُّفِهِمْ فِي خَلْقِهِ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، إِلَّا مَا جَعَلَهُ مِنْ آيَاتِهِ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِمْ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ، كَإِبْرَاءِ عِيسَى عليه السلام لِلْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ وَإِحْيَائِهِ لِلْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ لَهُ، بِأَنْ دَعَاهُ فِي ذَلِكَ فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ بَشَرٌ مُرْسَلُونَ)، أَيْ لَا يَمْلِكُونَ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَوْقَ كَسْبِ الْبَشَرِ غَيْرَ مَا خَصَّهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، دُونَ شُئُونِ رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ مَا خَصَّ بِهِ مَلَائِكَتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ هِدَايَةَ أَحَدٍ إِلَى الدِّينِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ هِدَايَتَهُمْ خَاصَّةٌ بِالتَّبْلِيغِ وَالتَّعْلِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَحِكَايَةُ نُوحٍ مَعَ ابْنِهِ الْكَافِرِ حُجَّةٌ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ وَاضِحَةٌ، وَالشَّوَاهِدُ عَلَى هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
و(مِنْهَا) فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا عَلِمْتَ مِنْ آيَاتِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالرَّدِّ عَلَى مُشْرِكِي مَكَّةَ فِي اقْتِرَاحِهِمْ مَجِيءَ الْمَلَكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [12] وَقَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} 31 وَتَقَدَّمَ مَا فِي مَعْنَاهُ عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صلى الله عليه وسلم قَرِيبًا، وَفِي مَعْنَاهُ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي السُّوَرِ الْأُخْرَى.
(وَمِنْهَا) فِي احْتِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُسُلِهِمْ بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ فِي قِصَّةِ نُوحٍ: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} 27 وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هَذَا سَائِرُ أَقْوَامِ الرُّسُلِ بَعْدَهُ إِلَى خَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَلَوْ كَانَ أُولَئِكَ الرُّسُلُ فِي عَصْرِهِمْ عَلَى غَيْرِ مَا يَعْهَدُ أَقْوَامُهُمْ مِنَ الْبَشَرِ، بِأَنْ يَكُونُوا يَتَصَرَّفُونَ فِي الْكَوْنِ بِالضُّرِّ وَالنَّفْعِ وَعِلْمِ الْغَيْبِ، لَمَا احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ كَمَا يَدَّعِي الَّذِينَ ضَلُّوا مِنْ أَقْوَامِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ عَمَّا جَاءُوا بِهِ مَعَ دَعْوَى اتِّبَاعِهِمْ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ هُمْ وَبَعْضُ مَنْ وَصَفُوا بِالصَّلَاحِ وَالْوِلَايَةِ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ يَضُرُّونَ وَيَنْفَعُونَ، وَيُشْقُونَ وَيُسْعِدُونَ، وَيُمِيتُونَ وَيُحْيُونَ: أَحْيَاؤُهُمْ وَأَمْوَاتُهُمْ فِي هَذَا سَوَاءٌ، بَلْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ حَيَاةً مَادِّيَّةً بَدَنِيَّةً يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَ مَنْ يَدْعُوهُمْ وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ، وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ، وَيَسْتَجِيبُونَ دُعَاءَهُمْ فِيهَا، وَقَدْ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ فَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي خَارِجِهَا، يُخَالِفُونَ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى مِئَاتٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْمُحْكَمَاتِ فِي التَّوْحِيدِ وَصِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَفِي صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَوْنِهِمْ بَشَرًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَأَنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ وَآيَاتِهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ بَعْضِ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ فِي حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ الْبَرْزَخِيَّةِ، فَيَقِيسُونَ عَلَيْهَا بِأَهْوَائِهِمْ حَيَاةَ أَوْلِيَائِهِمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَافْتِرَاءً عَلَى اللهِ، وَحَسْبُنَا هُنَا التَّذْكِيرُ بِمَا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّنَا أَنْ يَرُدَّ بِهِ عَلَى الَّذِينَ سَأَلُوهُ بَعْضَ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} 17: 93؟
(الثَّالِثَةُ: بَيِّنَاتُهُمْ وَآيَاتُهُمْ) مَا مِنْ نَبِيٍّ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللهِ إِلَّا وَجَاءَهُمْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَاهُ مِنْ حُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَآيَةٍ كَوْنِيَّةٍ، وَكَانَتْ تَشْتَبِهُ عَلَى عَامَّتِهِمُ الْآيَاتُ الْكَوْنِيَّةُ بِالسِّحْرِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُونَ سَبَبَهُ، وَيَرَوْنَهُ مِنَ الدَّجَّالِينَ وَالْمُرْتَزِقَةِ، وَكَانَ الْمُهْتَدُونَ هُمُ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْبَيِّنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالْهِدَايَةِ الْخَلْقِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْجَاحِدُونَ الْمُعَانِدُونَ مِنْهُمْ.
بَيَّنَتْ لَنَا هَذِهِ السُّورَةُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ كَانَ يَحْتَجُّ وَيَسْتَدِلُّ عَلَى قَوْمِهِ بِأَنَّهُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَلَيْسَ فِيهَا وَلَا فِي غَيْرِهَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ تَحَدَّى قَوْمَهُ بِآيَةٍ كَوْنِيَّةٍ كَمَا تَحَدَّى مُوسَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ، وَكَمَا تَحَدَّى مُحَمَّدٌ قَوْمَهُ، وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ مَعَهُمْ، وَمَنِ اسْتَطَاعُوا لِيُظَاهِرُوهُمْ عَلَى مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ بِمِثْلِهِ فِي مَزَايَا إِعْجَازِهِ الْعَامَّةِ الظَّاهِرَةِ فِي كُلِّ سُورَةٍ مِنْهُ، وَمَزَايَا إِعْجَازِهِ الْمُكَرَّرَةِ فِي عَشْرِ سُوَرٍ مِمَّا ادَّعَوُا افْتِرَاءَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ التَّحَدِّي بِعَشْرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ فِي الْآيَةِ (13) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، وَبَعْدَ تَقْرِيرِ عَجْزِهِمْ عَنِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْآيَةِ (14) قَالَ فِي تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} 17.
ثُمَّ قَالَ فِي حُجَّةِ نُوحٍ: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} 28 الْآيَةَ، وَحَكَى عَنْ قَوْمِ هُودٍ أَنَّهُمْ {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} 53 لَكِنَّهُ كَذَّبَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ} 59 الْآيَةَ.
ثُمَّ قَالَ فِي قِصَّةِ صَالِحٍ: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} 63 الْآيَةَ، وَذَكَرَ بَعْدَهَا آيَتَهُ الْكَوْنِيَّةَ الَّتِي أَنْذَرَهُمُ الْعَذَابَ بِهَا فَقَالَ: {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً} 64 إِلَخْ. ثُمَّ قَالَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} 88 الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} 96 و97 الْآيَةَ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ الْقَطْعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرَهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَالِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ وَكَسْبِهِمْ، وَلَا فِي حُدُودِ اسْتِطَاعَتِهِمْ، فَآيَةُ خَاتَمِهِمُ الْكُبْرَى- وَهِيَ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ- وَكَانَ صلى الله عليه وسلم عَاجِزًا عَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَعَجْزُهُ قَبْلَهَا أَظْهَرُ، وَنَاقَةُ صَالِحٍ لَمْ تَكُنْ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا كَسْبِهِ، وَلَمَّا رَأَى مُوسَى آيَتَهُ الْكُبْرَى وَهِيَ الْعَصَا إِذْ أَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، وَلَّى مُدْبِرًا خَائِفًا مِنْهَا، كَمَا تَرَى فِي سُورَتَيِ النَّمْلِ وَالْقَصَصِ.
وَأَمَّا آيَاتُ عِيسَى الَّتِي أُسْنِدَ إِلَيْهِ فِعْلُهَا فَقَدْ صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِأَنَّهَا كَانَتْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ، وَفِي رَسَائِلِ الْأَنَاجِيلِ الْمُتَدَاوَلَةِ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ بِطَلَبِهَا لِيُؤْمِنُوا بِهِ وَيَعْلَمُوا أَنَّهُ يَسْتَجِيبُ لَهُ، وَقَدْ قَالَ الْيَهُودُ إِنَّهَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
وَأَهْلُ هَذَا الْعَصْرِ يُورِدُونَ عَلَيْهَا شُبُهَاتٍ مِنْ غَرَائِبِ صُوفِيَّةِ الْهُنُودِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْوَحْيِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّ آيَاتِ مُوسَى كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْهَا مَظْهَرًا، وَأَدَلَّ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَأْيِيدِهِ لَهُ، لِإِيمَانِ أَعْلَمِ عُلَمَاءِ السِّحْرِ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةً لِلنَّاسِ بِمُوسَى كَمَا كَانَتْ تِلْكَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ بِعِيسَى إِذِ اتَّخَذُوهُ بِهَا إِلَهًا، فَالَّذِينَ فُتِنُوا وَضَلُّوا بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ الصُّورِيَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، أَضْعَافُ أَضْعَافِ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالْحَقِيقِيِّ مِنْهَا، فَإِنَّ الْمَلَايِينَ مِنْ مُدَّعِي اتِّبَاعِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ- عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَتَّبِعُونَ الدَّجَّالِينَ الْمُدَّعِينَ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْكَوْنِ بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ بِاسْتِخْدَامِهِمْ لِلْجِنِّ، وَسَدَنَةِ قُبُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّصَرُّفَ لِمَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِمْ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَجْهَلُونَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ جَمِيعَ رُسُلِهِ وَوَظِيفَةَ رِسَالَاتِهِمْ.
الْخَامِسَةُ: حُجَّةُ الرُّسُلِ عَلَى أَقْوَامِهِمْ بِإِخْلَاصِهِمْ لِلَّهِ وَعَدَمِ طَلَبِ أَجْرٍ عَلَى عَمَلِهِمْ:
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَيْهَا هُنَا حِكَايَةٌ عَنْ نُوحٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ} [29] وَتَقَدَّمَ عَنْهُ مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ، وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِلَفْظِ الْأَجْرِ (وَمِنْهَا) عَنْ هُودٍ: {يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ 51}، وَرَاجِعْ مِثْلَ هَذَا عَنِ الرُّسُلِ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ (26: 109 و127 و145 و164 و180).
وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا عَنْ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِي عِدَّةِ سُوَرٍ: الْأَنْعَامِ (6: 90) وَيُوسُفَ (12: 104) وَالشُّورَى (42: 23) وَنَصُّ هَذِهِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ تَبْشِيرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِرَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا الْبَتَّةَ، سُنَّةَ اللهِ فِي النَّبِيِّينَ الْمُرْسَلِينَ، وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمُ الْمَوَدَّةَ فِي أُولِي الْقُرْبَى لَكُمْ وَصِلَةِ أَرْحَامِكُمْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِمَّا يَحْمَدُونَهُ مِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ لِتَعَصُّبِهِمْ لِأَنْسَابِهِمْ، وَيُفَسِّرُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [34، 74].